الخميس، 18 مايو 2017

أزمنــة «الجوع والوباء» توثق حـياة نجـــد

الروح مني مسملات إحذاها
حذوة ِرجل ما قاضبه كود مسمار
نجدٍ يعزّي عن غثاها عذاها
لو هي مقر (الفقر) في ماض الأذكار
نركض ومن صاد الجراده شواها
وللنار من عقَّب من المال دينار




أمكنة زمنية ارتبطت بالامراض والأوبئة واللصوصية التي حدثت بأسباب الجوع والشح في الجزيرة العربية ..
ومنطقة نجد بالذات قبل أن يحكم سيطرتها جلالة الملك عبدالعزيز طيب الله ثراه
واستخدمها الاباء والاجداد في معرفة تواريخ مواليدهم وحساباتهم الهامة..

سنة الجراد

أمكنة زمانية أو ازمنة مكانية مثل سنة الجوع وسنة الجراد وسنة الجدري الاسود وسنة الدبا وسنة الذرة الحمراء
وسنة الغرقة وسنة الطاعون وسنة الرحمة،
وغيرها حيث يعني كل اسم من هذه الاسماء دلالة كوارثية وابتلاء عظيم حل بسكان الجزيرة
وهي إما سنوات شح فيها المطر فانعدم الطعام وانتشرت معها الأمراض والأوبئة الفتاكة بسبب شح وسوء الغذاء ..
أو سنوات حل بالناس بعض الكوارث والآفات مثل الغرق وتهدم المنازل، أو غزو الجراد وصغاره (الدباء)
الذي كان يلتهم المزروعات والنخيل والمحاصيل الشحيحة ويقضم خشب أسقف المنازل التي تتهاوى على من فيها
ثم يتساقط في آبار مياه الشرب فيعطلها أو يلوثها والذي وصف هجمته احد شعراء الفصحى بقصيدة في سنة تعرف

بسنة (الدباء) قال منها:

الله اكبر كيف هذا القمّل الضعّفا
آذى الأنام ومنه الزرع قد تلفا
قد جاء كالسيل يعدو ليس يمنعه
شيء فما مل من شيء ولا وقفا
فلم نر طرقا إلا وقد ملئت
ولا جدار ولا سقفا ولا غرفا
وأصبحت جملة الآبار منتنة
كأن في جوفها من ريحه جيفا
وكل طفل له من أهله حرس
يحمونه يقظة منه وحين غفا

جوائح زمنية

هذه السنوات وما صاحبها من كوارث وأوبئة أحدثت جوائح هائلة في نجد والخليج فاضطر الناس إلى أكل الجيف
وطحنوا النوى والعظام التي يجمعونها من الرمم الميته ليصنعوا منها ما يسد الرمق وحفروا جحور النمل بحثا عن الحبوب التي تختزلها في الجحور
وتحول همهم إلى صراع وصراع دموي في الكثير من الاحيان حتى اضطر بعضهم إلى قتل آخر ليظفر منه بوجبة طعام فقط،
وعمل آخرون عند الأحسن حالا إما رعاة او فلاحين أو صبيان (فداويه) مقابل الحصول على مصروف البطن فقط
بينما دخل بعضهم معترك لقمة العيش الشحيح في فرص محدودة جدا لا تتجاوز الاحتطاب او الفلاحة والسدارة (قطع السدر)
والسقاية ويظل الباقون في رجاء ما تجود به صدف الطبيعة مثل مرور (عمود جراد)
يتتبعون مكان مبيته نهارا ليداهموه في الهزيع الآخر من الليل يجمعون ما يستطيعون جمعه من بين أنياب الأفاعي المغرمة بملاحقة الجراد




سنة الرحمة

تعد سنة الرحمة عام 1337ه هي الاشد وطأة في نجد والخليج وحدث مع الجوع الذي حل بالناس مرض الطاعون الذي افنى قرى
ومدنا باكملها لدرجة لجوء بعض المشيعين إلى خلع ابواب المنازل لاستخدامها في نقل جنائز الموتى بعد ان تحطمت النعوش المتوفرة،
ورجحت بعض الآراء تسميتها بسنة الرحمة إلى كثرة الترحم على الأعداد الهائلة من الموتى ذلك العام،

ويقال أيضا إنه في هذا العام وسنة الجوع أصيب الناس بمرض أو فرط نهم الطعام ولا يمكن لاحدهم أن يشبع مهما أكل،

وتروي إحدى القرى النجدية أن رجلا انطلق منها إلى أسواق إحدى المدن المجاورة لجلب تمر لابنائه الجياع
وكان في عودته يدس يده في الكيس الذي حمله على ظهره طوال الطريق لالتقاط بعض حبات التمر
ثم تفاجأ عند ما اقترب من منزله أنه قد أجهز على كل مافي الكيس
.

( الذرة الحمراء ) سنة قحط أخفى التجار فيها السلع



تظل سنة 1367هـ إحدى السنوات التي علقت في أذهان النجديين طويلا حتى عدت في حساباتهم ضمن سنوات الكوارث المؤلمه التي لا تنسى
وأطلقوا عليها سنة الذرة الحمراء نسبة إلى نوع من الذرة لونها أحمر ومن الأصناف التي جلبوها من جازان ومنطقة الجنوب واليمن،

كانت هي الطعام الوحيد المتوفر في الأسواق ويصنعون منها بعد طحنها نوعا من الخبز الرديء منخفض القيمة الغذائية،
ويجدون صعوبة بالغة في عجنه عند ما يتحول إلى كتل غير متجانسة أثناء العجن حتى أطلقوا في أمثالهم على الرجل متقلب المزاج
الذي يصعب التعامل معه( عجينة ذرة) ومع ذلك يشترونها بقيمة مرتفعة ولا تتوفر في كل الاحوال .

ومع أنها من الاصناف التي اعتادوا شراءها علفا للمواشي خصوصا في المدن البعيدة عن المراعي،
الا أنهم اضطروا تلك السنة إلى استخدامها طعاما بعد ما انقطع إمداد قوافل العراق والذي كان بالإضافة إلى تمر( صقعي) البصرة
..(تمّن) العراق وهو نوع من الأرز الذي يزرع على مياه شط العرب إضافة إلى القمح الخام والدقيق أحيانا .

ومع اننا لم نجد من يؤكد الاسباب الحقيقة التي أوقفت (المديد) أي القوافل تلك السنة والتي تسيّر ثم تعود من العراق
بعد بضعة أشهر وهي محملة بالأرزاق وبقيمة مناسبة الا ان روايات غير مؤكدة ربطت الأسباب بحالة التوتر الذي حصل بالمنطقة
على خلفية القضية الفلسطينية ونكبة 1948 م الذي يصادف ذلك التاريخ فيما تقول روايات أخرى انه بسبب جفاف ضرب العراق
ومنابع دجلة والفرات تسبب في انخفاض منسوب شط العرب وانعكس ايضا على المحاصيل الزراعية .


الأزمة لم تستمر طويلا ولكن الشهور العصيبة التي مروا بها خصوصا في منطقة نجد تركت ذكرى أليمة لكل من عاشها
وعانى مرارتها عند ما كان رب الأسرة يخرج على أنين أطفاله وأهل بيته جوعا إلى الأسواق فلا يجد من يبيعه الطعام،
واصطدم الناس بل صدموا بسلوك بعض تجار الطعام في بعض الأماكن والذين فاقموا من حجم الأزمة بتعمدهم أخفاء السلع
وتخزينها في المستودعات لزيادة الضغط على الناس حتى يتمكنوا من مضاعفة الأسعار بعد عدة أشهر
وان كان هناك من يعتقد وهو اعتقاد ضعيف أن هذا التصرف هو نوع من السلوك الإنساني الا إرادي
يظهر عادة مع الحروب والأزمات ويعرف بمرض أو حب(الاكتناز) فكان هؤلاء التجار رغم قلة ما لديهم هم الوجه القبيح في الأزمة.

وفي ذلك دلالة على أن التجارة سلوك وأمانة وخوف من الله في أي زمان ومكان
وأن تجار الأزمات موجودون حتى في زمن الطهر والمثاليات،


ولكن الجميل وفقا لبعض الروايات أن الملك عبد العزيز طيب الله ثراه أغضبه هذا التصرف من التجار عند ما علم بالأمر
ووجه فورا أمراء المقاطعات آنذاك بملاحقة كل من يثبت قيامه بتخزين وإخفاء السلع الاستهلاكية خصوصا الطعام
بنية مضاعفة السعر واستغلال ظروف الناس حتى يحال إلى القضاء وينظر في أمر تأديبه وحبسه أو حتى منعه من البيع.

واستمرت هذه الأزمة عدة أشهر مع ما أصاب الناس من أمراض سوء التغذية ومرض الإسهال
الذي كان بسبب استهلاك هذا النوع من الذرة.
بعدها تتابع هطول المطر واخضرت الأرض وعم الرخاء فاكتفى الناس بمنتجات مواشيهم.
وأخلف الله ظن هؤلاء التجار بالفعل حتى اضطروا في نهاية الأمر إلى بيع تجارتهم من الطعام بربع القيمة أو أقل

سنة الهدام او الغرقه "طوفان نجد الكبير " 1376 هـ







تبقى سنة 1376ه رغم مضي قرابة (57) عاماً إحدى السنوات التي ظلت وستظل زمناً طويلاً محفورة بذاكرة النجديين
الذين عاشوا أحداثها بكل مرارة، أو نُقلت لهم بكافة تفاصيلها، وتحديداً عندما انحل وكاء السماء وغمرهم الطوفان
(طوفان نجد الكبير) استمر هطول الأمطار «ليل نهار»على مدى (58) يوماً, فحاصرتهم الأودية، وتجاوز السيل أعتاب المباني
فانهار أكثر البيوت والمساجد والمتاجر على كل ما فيها من أنفس ومتاع، وأغلبها إن لم يكن جميعها من الطين؛
فغادر الناس بيوتهم في المدنوالقرى هرباً إلى الاماكن المرتفعة ولجأوا إلى ما تبقى عندهم من بسط وزوال
رفعوها فوق أغصان الشجر للاحتماء تحتها من زخات المطر المباشر.



عُرفت هذه السنة ب"سنة الهدام" أو "الغرقة"، وشملت بعض مناطق الجزيرة بمعدلات متفاوتة،
إلاّ أن الضرر الأكثر تركز على القصيم وسدير، وكانت بريدة وما جاورها من مدن وقرى هي المتضرر الأكبر،

مضايف الفقراء

كانت أولى جهود مكافحة الجوع عندما تحرك الملك عبد العزيز رحمه الله لفتح المضايف العامة في الرياض
والتي كان من أشهرها مضيف (ثليم) الذي توافد اليه الفقراء والمحتاجين من كل أنحاء البلاد والذي كان يستوعب نحو خمسين خروفا
وخمسا من الابل وكميات كبيرة من الطعام توزع على الأسر التي اكتظ بهم المكان، ويصطفون يوميا أمام المضيف وقت الوجبات
للحصول على حاجاتهم من الطعام، ومن هذه الأسر من فضل استيطان الرياض والبقاء إلى يومنا هذا، وفي ثليم ومضافته الشهيرة

يقول الشاعر:

لاضاق صدري نحرت ثليم
تراه شرق عن الديره
فيه رز مصري وتمر زين
واكياس ملح عن الغيره

أزمنة مرت، وقساوات شرسة أنهكت الأنفس، ومعاناة أسطورية من الحرمان، والجوع،
والحسرات طبعت حياة إنسان هذه الصحراء بالصورة المحزنة المبكية،
نذكرها الآن كمخزون محرض لهذه الأجيال بالعمل من أجل هذه الجغرافيا،ورخائها،وأمنها،واستقرارها كإرث نضالي، وهوية متميزة.




أزمنــة «الجوع والوباء» توثق حـياة نجـــد

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق