"كان رحمه الله رقيق الإحساس حاد الشعور شديد العاطفة، وقد مر بأطوار مختلفة في حياته فمن تدين قوي إلى تحرر منطلق من جميع القيود التي تتطلبها العادات". وتابع في موضع آخر: "أخذ يضمن شعره بعض آرائه في الدين والحياة، ويأتي بآراء وأفكار تحررية، لم يعهدها الناس عنده، إلى أن فقد التدين تماماً.. وعند ذلك رماه الناس بالكفر والجحود، ولم يكن كافراً ولا جاحداً، ورموه أيضاً بالإلحاد والفسق والفجور، ولم يكن ملحداً ولا فاسقاً ولا فاجراً واستمر في هذا الوضع إلى أن نبذه أهله".هذه العزلة القسرية التي عاشها الشاعر فهد العسكر بعد أن فاح من شعره وفكره نزعة وجودية كما يدعي خصومه، آلمته نفسياً فعاقر "الصهباء" أو كما يسميها "بنت النخيل" وتغزل بها في قصائده وزادت من تبقى من الأصحاب نفوراً منه. نشأ العسكر في بيئة متدينة وفي منزل يتمسك بالعادات والتقاليد، وأب يحرص على أبنائه مرافقته إلى المسجد. تعلم في سن مبكرة القرآن الكريم والتجويد في "الكتاتيب"، ثم أكمل تعليمه في المدرسة "المباركية" عام 1922 التي تعد أول مدرسة نظامية في تاريخ الكويت، حيث درس فيها الحساب واللغة العربية والأدب، فأصبح مولعاً بدواوين الشعراء الفحول كالمتنبي وأبي تمام والفرزدق. وساهمت هذه المرحلة في بنائه اللغوي جيداً حتى بدأ يكتب الشعر ويؤسس لنفسه خطاً مختلفاً عن مجايليه في اللغة والأسلوب بإشراف من معلمه محمود شوقي. روحه الوثابة للمعرفة كانت المحرض الغريزي له للانغماس في كتب الأديان والفلسفة والتحولات الاجتماعية والسياسية، وكان زبوناً دائماً لمكتبة "ابن رويّخ" التي تعير الكتب بمقابل رمزي. هذا الانفتاح بدأ يظهر جلياً على قصائده التي أخذت في الانعتاق شيئاً فشيئاً من قيود المجتمع. ونتيجة لذلك بدأ العسكر في الاصطدام مع الناس الذين استنكروا أغراض شعره ومعانيها، ولم يرضخ لتلك النظرة الدونية المحيطة به أو يتورع عن هتك أستار الحسان وهو يسقيهن من أقداح شعره تحت ضوء القمر. وإذا ما أخذنا العسكر كحالة لغوية بعيداً عن الدخول إلى نفق المعيار الديني والأخلاقي الذي يجب أن تخضع فيه القصيدة لدى البعض للتفتيش قبل عبوره، فإن العسكر شاعر مطبوع بديع، له لغة عميقة السبك والحبك، وقصيدته متّقدة ذات شخصية قوية متماسكة تتسم بالتمرد والتفرد، أجاد الوصف والتأوه والشكوى
| كفي الملامَ وعلليني فالشك أودى باليقينِ | |
| وتناهبت كبدي الشجون فمن مجيري؟ مِن شجوني | |
| وأمضني الداء العياء فمن مغيثيي؟ من معيني؟ | |
| أين التي خلقت لتهواني وباتت تجتويني | |
| الله يا أماه فيَّ ترفقي لا تعذليني | |
| أرهقتِ روحي بالعتاب فأمسكيهِ أو ذريني | |
| أنا شاعرٌ أنا بائسٌ أنا مستهامٌ فاعذريني | |
| أنا من حنيني في جحيمٍ آه من حر الحنين | |
| ضاقت بي الدنيا دعيني أندب الماضي دعيني | |
| وأنا السجين بعقر داري فاسمعي شكوى السجين | |
| بهزال جسمي باصفراري بالتجعد بالغضون | |
| وطني وما أقسى الحياة به على الحر الأمين | |
| وطني وما أقسى الحياة به على الحر الأمين | |
| وألذ بين ربوعه من عيشتي كأس المنون | |
| وألذ بين ربوعه من عيشتي كأس المنون | |
| قد كنت فردوس الدخيل وجنة النذل الخؤون | |
| لهفي على الأحرار فيك وهم بأعماق السجون | |
| ودموعهم مهج وأكباد ترقرق في العيون | |
| ما راع مثل الليث يؤسر وابن آوى في العرين | |
| والبلبل الغريد يهوي والغراب على الغصون | |
| وطني وأدت بك الشباب وكل ما ملكت يميني | |
| وقبرت فيك مواهبي واستنزفت عللي شؤوني | |
| ودفنت شتى الذكريات بغور خافقي الطعين | |
| وكسرت كأسي بعدما ذابت بأحشائي لحوني | |
| وسكبتها شعراً رثيت به الروح الحزين | |
| وطويتها صحفاً ظننت بها وما أنا بالظنين | |
| ورجعت صفر الكف منطوياً على سر دفين | |
| فلا أنت يا وطني المعين وما هزارك بالمدين | |
| وطني وماساءت بغير بنيك ، ياوطني ظنوني | |
| أنا لم أجد فيهم خديناً آه من لي بالخدينِ | |
| واضيعة الأمل الشريدِ وخيبة القلب الحنونِ | |
| رقصوا على نوحي وإعوالي وأطربهم أنيني | |
| وتحاملوا ظلماً وعدواناً عليّ وأرهقوني | |
| فعرفتهم ونبذتهم لكنهم لم يعرفوني | |
| وهناك منهم معشرٌ أفٍّ لهم كم ضايقوني | |
| هذا رماني بالشذوذِ وذا رماني بالجنونِ | |
| وهناك منهم من رماني بالخلاعة والمجونِ | |
| وتطاول المتعصبون وماكفرت وكفروني | |
| وأنا الأبي النفس ذو الوجدان والشرف المصون | |
| الله يشهد لي وما أنا بالذليل المستكين | |
| لادرّ لا درّهمُ فلو حزت النضار لألهوني | |
| أو بعت وجداني بأسواق النفاق لأكرموني | |
| أو رحت أحرق في الدواوين البخور لأنصفوني | |
| فعرفت ذنبي أن كبشي ليس بالكبش السمينِ | |
| ياقوم كفّوا ، دينكم لكمُ ، ولي ياقومُ ديني | |
| ليلاي يا حلم الفؤاد الحلو يا دنيا الفتون | |
| يا ربة الشرف الرفيع البكر والخلق الرصين | |
| يا جمرة القلب الشجي وحجة العقل الرزين | |
| صنت الهوى ولم أحد عنها فيا ليلاي صوني | |
| عودي لقيسك بالهوى العذري بالقلب الرهين | |
| عودي إليه واسمعي نجواه في ظل السكون | |
| فهو الذي لهواك ضحى بالرخيص وبالثمين | |
| ليلى تعالي زوديني قبل الممات وودعيني | |
| ليلاي لا تتمنعي رحماك بي لا تهجريني | |
| ليلى تعالي واسمعي وحي الضمير وحدثيني | |
| ودعي العتاب إذا التقينا أو ففي رفق ولين | |
| لم لا وعمر فتاك أطول منه عمر الياسمين | |
| لله آلامي وأوجاعي إذا لم تسعفيني | |
| هيمان كالمجنون أخبط في الظلام فأخرجيني | |
| متعثرأ نهب الوساوس والمخاوف والظنون | |
| حفت بي الأشباح صارخة بربك فانقذيني | |
| واشفي غليلي وابعثي ميت اليقين ودلليني | |
| ليلى إذا حل الرحيل وغص قلبك بالأنين | |
| ورأيت أحلام الصبا والحب صرعى في جفوني | |
| ولفظت روحي فاطبعي قبل الوداع على جبيني | |
| وإذا مشوا بجنازتي ببنات فكري شيعيني | |
| وإذا دفنت فبللي بالدمع قبري واذكريني |
ادب شاعر وقصيده
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق