الطب الشعبي سد النقص في أطباء الإسعاف.. والحالات الطارئة تعالج بالمسكنات
طوارئ زمان .. الوحدة الصحية مغلقة راجعنا بكرة !
في منتصف ليلة من ليالي الصيف المقمرة الهادئة كانت القرية التي يلفها السكون تغط في سبات عميق ولم يعكر صفو هذا السكون سوى سيارة قادمة من الصحراء القريبة وهي تسير بسرعة لتدخل أزقة البيوت الطينية المتناثرة لتقف عند باب بيت مغلق تعلوه لوحة تعريفية باسم (مستوصف) القرية وبسرعة البرق نزل السائق إلى الباب ليشبعه طرقاً متوالياً لترد عليه الممرضة الوحيدة متسائلة عمن يطرق الباب بشدة في مثل هذا الوقت المتأخر من الليل فتأتيها إجابة الطارق متلهفاً بأنه الشاب فلان بن فلان (أحد أبناء القرية) وهو يشكو ألماً في إبهام قدمه جراء تعرضه للدغة حية إثناء رحلة قنص ليلية فتجيبه الممرضة وماذا أصنع لك فالطبيب نائم في بيته فاذهب إليه وأتني بورقة علاج كي أعطيك إياه ثم رجعت عائدة إلى فراشها فقد أيقظها من سباتها العميق فما كان منه إلا إعادة تشغيل سيارته والانطلاق إلى جزء القرية الآخر حيث يسكن الطبيب وبسرعة كالبرق توقف أمام بيته وطرق الباب ففتح الطبيب له الباب متلهفاً فقد تعود على أن يستقبل الحالات المرضية الإسعافية بين الفينة والأخرى وهي ضريبة يدفعها الأطباء لتخصصهم الذي يستوجب التضحية التي تفرضها الإنسانية، وبعد معرفته لإصابة الشاب ومعاينته للإصابة دخل بيته على عجل ثم خرج بعد برهة كانت على المريض كعام من الانتظار فسلم المريض ورقة بها وصفة العلاج وهي إبرة مسكنة فشكر الشاب الطبيب وذهب إلى الممرضة وطرق الباب ففتحت الباب بمدة أقل من سابقتها لأنه قد أطار النوم من عينيها فسلمها الوصفة فأدخلته في الممر وذهبت ثم عادت وبيدها الحقنة فأعطتها له مع العضل فذهب إلى بيته بعد أن شكرها على صنيعها واعتذر منها على الإزعاج وعاد سريعاً إلى بيته ليرتاح وأوى إلى فراشه يريد أن ينام لينسى الألم ولكنه بات في فراشه يتململ ويتقلب ولم يذق للنوم طعماً من شدة الألم وصار مكان اللدغة كما يقول العامة (يسرج) إي يتلظى لأن الألم يزول قليلاً ثم يعود اشد وقد اخذوا قولهم (يسرج) تشبيهاً لفتيلة السراج التي تضيء وعند وصول (القاز) الى الكيروسين الذي بداخله إلى نهايته فإنه يضيء بنور خافت ثم يضيء بقوة ويستمر بين القوة والضعف متعباً عين من يراه في إشارة إلى أن (القاز) شارف على الانتهاء ليقوم صاحبه بإطفائه ليزوده بـ (القاز) وبعد مرور وقت طويل قام من فراشه متوجهاً إلى المستوصف طارقاً الباب بقوة ولكن لم يجد من يفتح له فواصل الطرق بقوة أشد فلم يجبه أحد فما كان منه إلا أن رجع للخلف ثم جاء مسرعاً ليضرب الباب بقدمه السليمة فصار على مصراعيه ففاقت الممرضة على دوي الصوت مرتعبة خوفاً من هذا الاقتحام وخرجت من غرفتها وهي تجمع عليها ثيابها لتستعلم الخبر فوجدت الشاب يئن ويطلب منها أن تكرر له الحقنة فقد افقده الألم شعوره فرفضت الممرضة ذلك ولكنه أصر على أن تعطيه الحقنة معلناً أنه لن يخرج حتى يأخذها وأمام إصراره قامت بإعطائها له بعد أن تعهد على أن يكون ذلك على مسؤوليته وعاد إلى بيته فهدأ الألم وغط في سبات عميق.. هذه الحالة وتلك القصة الواقعية التي وقعت أحداثها في بداية التسعينات الهجرية تعد مثالاً حياً على ما كان يعانيه جيل الأمس عند تعرضهم لأي حادث أو أزمة صحية في غير أوقات المستوصفات من عدم توفر الحالة الإسعافية لهم خصوصاً في القرى التي لا يوجد بها مستشفيات، حيث كان الطبيب الوحيد في القرية ملاذ الكثيرين الذين يطلبون الفزعة قبل أن يتطور الحال إلى افتتاح مستشفيات حديثة تعمل بها الطوارئ على مدار الساعة، كما ساهم انتشار مراكز هيئة الهلال الأحمر في كافة المناطق من أجل إسعاف المصابين أو المرضى سواءً في الطرقات أو البيوت، إضافة إلى ظهور خدمة جديدة وهي خدمة استقبال اتصالات المرضى فيما يخص الجانب الصحي والذي أنشأته وزارة الصحة، إذ تم تخصيص رقم موحد وهو (937) لاستقبال ورصد بلاغات المرضى والعمل على إنجازها بأسرع وقت في أي زمان ومكان في أنحاء الوطن الغالي ومتابعتها وفقاً للمعايير الدولية لتقديم الاستشارات الطبية من خلال أطباء يعملون على مدار الساعة.
معاناة الطيبين
قبل أن يعرف الناس الطبيب الذي يستقبل المرضى في المستوصف أو المستشفى فإن من يعتريه المرض قديماً ويلزمه الفراش وخصوصاً في الليل فإنه يستعين بالطب الشعبي في علاج ما يعتريه من مرض بمعرفة أعراضه، الأمر الذي يحوجه إلى من يسهر بجانبه من أجل مساعدته على الأكل والشرب وتناول الدواء، وكانت بعض العلاجات الشعبية يفيد في تجاوز المرض، بينما بعض الأمراض تقضي على المريض في ليلته إن لم يتم إجراء الإسعافات الأولية له وإعطائه العلاج اللازم، وبعد افتتاح المستشفيات في المدن والمستوصفات في القرى كان من يتعرض إلى وعكة صحية ولا يستطيع الحركة والمشي وتستدعي الحاجة نقله إلى الطبيب على وجه السرعة لدى جيل الأمس القريب يعيش معاناة حقيقية حيث يتطلب الأمر حمله بالأيدي وذلك لعد توفر نقالة في ذلك الوقت، وقد كان الكثيرون يستخدمون في ذلك (بطانية) يضعونه عليها ومن ثم يحملونه بالإمساك بأطرافها، والقلة يقومون بحمله بأيديهم خصوصاً إذا كانوا اثنين فقط، ومن ثم يتم إركابه في السيارة والذهاب به إلى الطبيب في (المستوصف) أو المستشفى لمعاينته، أو إلى طبيب شعبي إذا كان بعيداً عن البلدان التي يتوفر بها (مستوصفات)، أما في القرى التي يغلق فيها المستوصف أبوابه مساءً فقد تعود أطباؤها زيارات المرضى في منتصف الليل أو آخره في بيوتهم وهم نيام حيث يستيقظون على طرق الباب بشدة لمعاينة الحالة المرضية الطارئة كارتفاع الحرارة أو لدغات العقارب والثعابين وما شابهها ويقدم لها العلاج والإسعاف اللازم، وقد ظلت أسماء العديد من الأطباء في القرى خصوصاً محفورة في الذاكرة رغم مرور عشرات السنين من رحيلهم عن البلاد وذلك لكثرة احتكاك الأهالي بهم وكثرة مراجعتهم لهم في كل وقت وحين، وظلت تلك المعاناة مستمرة حتى تم استحداث جمعية الهلال الأحمر السعودي التي كانت بداياتها بسيطة جداً، حيث كانت البداية في عام 1353هـ حيث ولدت فكرة إنشاء جمعية الإسعاف الخيري كأولِ تنظيمٍ حكومي لتقديم الخدمة الطبية الإسعافية بالمملكة وهي أول هيئةٍ مستقلة تقوم على تقديم تلك الخدمة الطارئة تحت مسمى (جمعية الإسعاف الخيري)، وكانت جمعية الإسعاف الطبِّي الوطني أوَّل جهة صحية إسعافية مستقلَّة، حيث لم تقمْ في البلاد أيةُ هيئة منظِّمة للإسعاف قبل عام 1353 هـ، وكان أوَّلُ ما حدا برجال الفكر والعمل حينئذٍ إلى تكوين هذه الهيئة هو قيام الحرب اليمنية السعودية ونشوب المعارك في جبال عسير وسواحل تهامة بين الشِّعاب وأصلاد الصخور وفي السهول والأودية الجرداء، حيث تنعدِم وسائل الراحة والمؤن الطبية المسعفة للجرحى من الجنود، وحيث لا تجد الإنسانية مأوى تلجأ إليه في نكبتها التي تُصاب بها من أفواه البنادِق والمدافع وحدِّ السيوف ورؤوس الحراب، ولقد صمَّم أولئك الرجال - وقد فعلوا - على أن يساهموا في تلك الحرب بما يخفِّف وطأتها ويطفئ في قلوب الجند حرَّ مصابها، وطلبوا من الحكومة أن تسمحَ لهم بتأليف هيئة من البلد الحرام يُناط بها القيامُ بإسعاف الجنود في ميادين القتال بالأطبَّاء والأدوية والضمادات، فسمحت الحكومةُ بذلك، وسرعان مابرزتْ تلك الهيئةُ في ميدان العمل، واستصرخَتْ الشعب إلى أداء هذا الواجب الإنساني، ولم تكنْ إلا مدة وجيزة حتى بدأت التبرُّعاتُ تنهال من كل صَوْب، وقد قامتْ هذه الهيئةُ بعملها وواجبها بكلِّ أمانةٍ وإخلاص، وشاءُ الله أن تخمدَ الحرب ويعود الوئامُ بين القطرين الشقيقين، وقد بقي من التبرُّعات مال وفير مكَّن هيئة الإسعاف من وضع هيكل المستشفى الأهلي بالطائف، واجتمع على تأسيس هذه الجمعية عددٌ من الذوات حينئذٍ، ووَضَع هؤلاء التعليماتِ المتعلِّقة بسير أعمالها ورفعوها إلى الحكومة فصدر الأمرُ السامي بالمصادقة عليها، وقد جرى البحثُ في الهيئة الدائمة المركزية للجمعية، فقرَّرت الهيئةُ العامة رفعَها وأن ترجو من صاحب السموِّ الملكي الأمير خالد نجل الملك عبدالعزيز آل سعود - رحمهما الله - أن يشرِّف الجمعيةَ بتولِّي رئاستها الفخرية، فتفضَّل سموُّه بالإجابة عليها، ثمَّ جرى انتخابُ أعضاء الهيئة المركزية، وهم الرئيس العام الشيخ محمَّد الشيبـي، السكرتير أحمد إبراهيم الغزاوي، أمين الصندوق العام محمَّد آشي، وبعضوية كل من السيِّد عبدالوهاب نائب الحرم، الشيخ عبدالوهَّاب عطَّار، محمَّد علي القفيدي، محمَّد علي خوقير، محمود شلهوب، عبدالحي قزَّاز .
الهلال الأحمر
ذكر علي شراية أن أول جمعية للإسعاف العام أُسست في السعودية كانت (جمعية الإسعاف الطبي الوطني) عام 1353هـ 1934م، ومن ثم تقرر إنشاء جمعية أهلية تعمل بصورة أكثر شمولية واستقلالاً، وكان في طليعة من اقترحوا على الملك عبد لعزيز – طيب الله ثراه - إنشاءها الملك فيصل بن عبدالعزيز – رحمه الله – عندما كان نائبا لوالده في الحجاز، وبالفعل أبصرت النور (جمعية الإسعاف الخيري) عام 1354هـ 1935م بموجب الأمر السامي رقم 3306، وكانت النواة الحقيقية لـ (جمعية الهلال الأحمر السعودي)، التي أُنشئت بعد فترة من الزمن بمرسوم ملكي عام 1383هـ 1963م، وكان أول مركز لـ (جمعية الإسعاف الخيري) التي كان الملك عبدالعزيز رئيسها الشرفي عند باب الوداع في مكة المكرمة، ويوم ذاك لم يكن عدد سيارات الإسعاف المتوافرة يزيد على خمس سيارات، وكان (المرآب) الخاص بتلك السيارات في حارة الباب وفي تلك الفترة اعتمدت موارد الجمعية ضمن ما اعتمدت على (مشروع القرش) و(طابع الإسعاف) الذي كان بقيمة ربع قرش، وكان يلصق على كل الأوراق الرسمية وطلبات الاستدعاء المقدمة من المواطنين بأمر الحكومة، وهذا طبعاً إلى جانب التبرعات من بعض الأمراء والتجار، بالإضافة إلى إقامة مصنع للثلج في(منى)، وكان هذا المصنع من مصادر الدخل وتنمية الموارد للجمعية، وتحولت جمعية الإسعاف الخيري الوطني إلى جمعية الهلال الأحمر السعودي في عام 1383هـ الموافق 1963م، بعدها صدر قرار من مجلس الوزراء بتاريخ 24 / 12 / 1429هـ بتحويل مسمى جمعية الهلال الأحمر السعودي إلى هيئة الهلال الأحمر السعودي، وتقوم الهيئة بتقديم الخدمات الطبية الإسعافية الطارئة والسريعة بكفاءة وفاعلية للمواطنين والمقيمين في البلاد في الظروف العادية والكوارث، والإسهام في رفع مستوى الوعي الصحي، وتشارك الهيئة في إعمال الإغاثة داخل المملكة وخارجها، وتقدم الهيئة خدماتها بما يتفق مع القيم والتعاليم الإسلامية والأصول المهنية ونظامها الأساسي.
الخدمات الإسعافية
مع تقدم الزمن وتطور الإجراءات الإسعافية وتوسع وزارة الصحة في افتتاح المراكز الصحية التي شملت جميع المحافظات والمراكز والقرى وافتتاح قسم للطوارئ في كافة المستشفيات للتعامل مع الحالات الإسعافية وذلك بتعيين أطباء في تخصص الطوارئ والذي استحدث عالمياً في الآونة الأخيرة فقد خفت معاناة المواطنين في التعامل مع الحالات الطارئة التي كان يضيق بها جيل الأمس ذرعاً، كما أسهمت مراكز الإسعاف التابعة لهيئة الهلال الأحمر في تخفيف العبء ورفع المعاناة عن المواطنين الذين هم بحاجة إلى إسعاف وخصوصاً من أصحاب الحوادث على الطرق الذي يستلزم نقلهم التقيد بطريقة النقل الصحيح حتى لا تتضاعف إصابتهم التي قد تفقدهم الحركة طول العمر نتيجة الحمل الخاطئ وخصوصاً لمصابي العمود الفقري، كما بات كل من لدية حالة طارئة أو إسعافه ما عليه إلا الاتصال على رقم الهيئة الموحد 997 وما هي إلا لحظات ويجد سيارة الإسعاف متجهة إليه للتعامل مع الحالة الطارئة في حينها وتنقل من يحتاج إلى تعامل أطباء الطوارئ مع حالته إلى أقرب مستشفى لتلقي العناية والإسعاف اللازم، وتتويجاً للجهود الرامية إلى تقديم الرعاية الصحية والإسعافية وخصوصاً للحالات الطارئة فقد خصصت وزارة الصحة رقماً للرد على استفسارات المرضى والحالات الاسعافية وهو الرقم (937) حيث يتم عبر هذا الرقم رصد بلاغات المرضى والعمل على إنجازها بأسرع وقت في أي زمان ومكان في أنحاء الوطن الغالي ومتابعتها وفقاً للمعايير الدولية، وتقديم الاستشارات الطبية من خلال أطباء يعملون على مدار الساعة، وتقديم النصائح والإرشادات المهمة لحالات التسمم، واستقبال جميع الشكاوى والملاحظات.
ثقافة و معلومات طوارئ زمان
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق